تعد العلاقات الإسرائيلية الفرنسية من أعقد العلاقات على هذا الكوكب، ففرنسا تسكنها أكبر جالية يهودية في أوروبا والثانية خارج أمريكا وإسرائيل، أو ثاني أكبر جالية في الشتات كما يسمونها، بعدد يقارب النصف مليون نسمة، 60% منهم سفارديم (يهود شرقيون)، وبلغوا هذه النسبة تبعاً للهجرات من دول شمال أفريقيا التي نتجت عن انسحاب فرنسا من تلك الدول.
ثم أتت السنوات التي سبقت تأسيس الكيان، والتي كان أي دعم قدم خلالها مرتبطاً بالمناكفة مع بريطانيا أكثر منه حرصاً على اليهود، ولديغول تصريح في 1945 قال فيه: «اليهود في فلسطين هم الوحيدون القادرون على طرد البريطانيين من فلسطين»، كما أن حضور فرنسا في الهلال الخصيب بالمجمل ومنه فلسطين كان في أحد أوجهه حماية للكاثوليك، وهو ما كان مقابلاً للدور الروسي في رعاية الأرذوكس، ولأن التواجد الفرنسي يحمل دائماً أمتعة ثقافية، فقد كان في رحالهم «آليانس إسرائيل» كمعهد لتعليم اللغة والثقافة الفرنسية، الذي تأسّس في 1860.
عسكرياً ومع دولة إسرائيل كان لفرنسا ثلاث لحظات بارزة، أولاها التحالف الثلاثي مع بريطانيا ضد مصر عبدالناصر في 1956، والثانية ما كشف عنه المؤرخ الإسرائيلي ميخائيل بارزوهار في سيرة شمعون بيريز، وتوقيع بيريز اتفاقية مع رئيس الوزراء الفرنسي موريس بورغيه في 1953، أدّت في نهاية الأمر لتأسيس مفاعل ديمونة، حيث قدمت التكنولوجيا، والمعدات الهندسية، والعلماء لبناء المفاعل في صحراء النقب. وشهدت المرحلة ذاتها بيع أول طائرة عسكرية فرنسية لتل أبيب، وحدث الأمران رغم ضغوط غربية وأمريكية نحو عدم تسليح إسرائيل وتحويلها دولة نووية.
لكن العام 67 كان شاهداً على انعطافة كبيرة في السياسة الفرنسية تجاه إسرائيل، حيث حظرت بيع الأسلحة في المنطقة، ولكن الزبون الرئيسي الذي تأثر كان تل أبيب، حيث كانت حينها المورد الرئيسي للمقاتلات والمدافع وطائرات الميراج، حيث جمد ديجول تسليم طائرات الميراج التي كانت دفعت بالكامل قبل حرب الأيام الستة، واستمر على نهجه بومبيدو وجيسكار ديستان، وهو ما فتح مرحلة التحوّل الإستراتيجي إلى الدكان الأمريكي لابتضاع الأسلحة وحتى اليوم.
يقال إن السبب في هذا التغيّر الفرنسي يعود إلى غياب العدو المشترك، فالتعاون الاستخباري مع الموساد زالت حاجته بعد انتهاء الحرب الفرنسية الجزائرية، واستخدام إسرائيل لإضعاف مصر لم تعد حاجة فرنسية، لأن عبدالناصر كان أُنهك بالفعل، مع تعاظم للمصالح الفرنسية مع العرب، وتوّج ذلك بأن كانت فرنسا أول حكومة غربية تؤيد مشاركة منظمة التحرير في مفاوضات السلام وذلك في 1980.
وبالحديث عن فلسطين فلا شك أن الجهود السعودية الفرنسية إبان حرب غزة نحو زيادة المعترفين بالدولة الفلسطينية أحد أكثر الأمور التي أزعجت نتنياهو، ليس بأثرها السياسي والدبلوماسي فقط، بل لأنها رمزية في سقوط السردية الوحيدة في الغرب وهي أن الإسرائيلي يحارب الإرهاب، ومن أجل ذلك يقتل من يشاء.
وربما في لغة الرئيس ترمب الأخيرة نلمس هذا الإدراك عند ساسة الغرب، حيث ألمح إلى أن أمريكا أصبحت الدولة الوحيدة الداعمة لإسرائيل، وما أوضحه نائبه دي فانس حول أن ثلثي أسلحة إسرائيل من أمريكا وبتمويل من دافع الضرائب.
بالطبع حاول ميتران تحسين العلاقة مع إسرائيل ثم لحقه شيراك باتجاه مغاير شهد مزيداً من التقارب مع الدول العربية، إلا أن العقد الأخير وتحديداً فترة ماكرون دخلت العلاقات مرحلة من التشابك، حيث شهد العام 2014 زيادة كبيرة في المهاجرين من اليهود الفرنسيين إلى إسرائيل ورد عدة مسؤولين فرنسيين بأن نتنياهو يستخدمهم كأداة انتخابية، وفي 2024 حين تحدث ماكرون عن وجوب إيقاف تصدير الأسلحة لإسرائيل تبعاً لأحداث غزه، رد نتنياهو: عار عليكم.
لكن أخطر مراحل العلاقة بين البلدين هو ما كشفت عنه رويترز من أن السلطات الفرنسية تحقّق في ما إذا كانت شركة إسرائيلية في الانتخابات البلدية مارس الماضي، مستهدفة المرشحين سيباستيان ديلوغو (مرسيليا)، وفرانسوا بيكمال (تولوز)، وديفيد غيرو (روبيه)، ويعرفون جميعهم بتأييدهم لفلسطين، والأخطر هو هل هذا الاختراق تجربة لتأثير أكبر في الانتخابات الرئاسية العام القادم كما حذر حزب فرنسا الأبية.
لا شك أن علاقة فرنسا بإسرائيل والتحوّلات الكبيرة لا تخص فرنسا فقط بل فيها الكثير من الدلالات حول توجهات الرأي العام في أوروبا وأستراليا أيضاً والتي توجد بها جالية يهودية كبيرة.

اترك تعليقاً